احمد حسن فرحات
79
في علوم القرآن
حكمة ، وأن الحكمة من ذلك لا بد أن تكون هي المناسبة . الشبهة الثانية : وأما قول الشوكاني بأن طلب المناسبة بين الآيات - مع العلم بأنه قد تقدم في ترتيب المصحف ما أنزله اللّه متأخرا ، وتأخر ما أنزله متقدما - أمر غير معقول ، لأن هذا العمل لا يرجع إلى ترتيب نزول القرآن ، بل إلى ما وقع من الترتيب عند جمعه ممن تصدى لذلك من الصحابة ، فإننا نجيب عنه بما يلي : إن مبنى هذه الشبهة عند الشوكاني على أن ترتيب الآيات في المصحف هو غير ترتيب النزول وهو أمر حق لا مرية فيه ، ولكنه يبني على ذلك أمرا آخر ، وهو أن ترتيب الآيات في المصحف إنما هو باجتهاد من الصحابة ، وهو ما لم يقل به أحد من علماء هذه الأمة كما تقدم ذلك ، فقول الشوكاني بأن ترتيب الآيات اجتهادي خروج على الإجماع والأدلة المتضافرة علما بأن الشوكاني لم يذكر دليلا واحدا لإثبات رأيه هذا . وكان على الشوكاني أن يسأل نفسه هذا السؤال : لما ذا عدل عن ترتيب النزول إلى ترتيب التلاوة ؟ هل يعقل أن يكون هذا العدول قد تم جزافا ؟ أو لا بد من فائدة في ذلك ؟ وما هي الفائدة إن لم تكن المناسبة ؟ فإذا صحّ ما قاله السيوطي أولا من أن القرآن نزل في حوادث مختلفة ، ومن ثمّ فهو مختلف كاختلاف هذه الحوادث . وإذا صحّ أنه لم يرتب طبقا لهذا النزول حتى لا يكون مختلفا ، كان معنى ذلك أنه مرتب ترتيبا آخر مخالفا لترتيب النزول ليتم له التوافق والائتلاف ، وأن هذا الترتيب هو الموجود الآن في المصحف والمسمى ترتيب التلاوة ، ومن ثمّ لا بد أن يكون متوافقا ومؤتلفا ، وإلا لما عدل به عن ترتيب النزول إلى هذا الترتيب .